السيد محمد تقي المدرسي

242

من هدى القرآن

السادسة : رعاية الأمانات والعهد « وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ » قال العلامة الطبرسي : الأمانة ما يؤتمن المرء عليه مثل الوصايا ، والودائع ، والحكومات ونحوها « 1 » ، وقيل : كل نعمة أعطاها الله عبده من الأعضاء ، فمن استعمل شيئا منها في غير ما أعطاه الله لأجله وأذن له في استعماله فقد خانه ] « 2 » . وإطلاق المعنى هو الأصح ، فالأمانة كل ما استؤمن عليه الإنسان ، والعهد كل ما تعاقد عليه وقطع على نفسه الوفاء به . وأظهر مصاديق الأمانة العقل وما يفرضه من مسؤولية اختيار الحق الذي يتجلى في رسالات الله ، تلك الأمانة التي عرضها على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان . كما أن أظهر مصاديق العهد ما أخذه الله على بني آدم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا ، والمشار إليه في قوله تعالى : « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ » [ الأعراف : 172 ] . وما هي قيمة الصلاة التي لا تردع الإنسان عن خيانة الأمانة والعهد ؟ وما هي قيمتها إذا لم تعطه روح الوفاء بهما والرعاية لهما ؟ ! . السابعة : القيام بالشهادة « وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ » فلا يكتمون الشهادة ، ولا يشهدون بالباطل ، لا فرق عندهم أكانت لهم أم عليهم ، لأن المهم هو إقامة الحق وإعلاء كلمته لوجه الله . وبالتالي فإنهم لا يتأثرون بالضغوط التي تدعوهم للعدول بالشهادة عن الحق . والشهادة أوسع من أن نحصرها في القضاء ، بل هي قيام الإنسان بالشهادة للحق في كل حقل وَبَعْد ، وذلك بالدفاع عن الحق قولا وفعلا ، مما يجعله ميزانا للحق ، وحجة بالغة على المخالفين له ، كما قال الله يخاطب حبيبه : « يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً » [ الأحزاب : 45 ] ، وقال : « وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً » [ البقرة : 143 ] . وبكلمة « قَائِمُونَ » أعطى القرآن مفهوما أعمق للشهادة ، فهي ليست مجرد قول الحق عند اختلاف الناس فيه ، بل قد يرقى إلى خوض الصراع الذي قد ينتهي إلى القتل في سبيل الله ، وهو قمة شهادة المرء للحق . وبكلمة : إن القيام هنا قد يكون نقيض القعود في قول الله : « وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً » [ النساء : 95 ] ، مما يجعل كل مؤمن شهيدا شاهدا على عصره ، ويجعل الصلاة رمز شهادته ومعراج شهوده . الثامنة : المحافظة على الصلاة « وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ » بمظهرها وكيفيتها ( يعني

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 451 . ( 2 ) تفسير الميزان : ج 20 ، ص 17 .